عندما يلقي الاستشراق سلاحه السياسي

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
30/05/2010 06:00 AM
GMT



لم تزل ظاهرة الاستشراق تثير عدداً كبيراً من الأسئلة البحثية المحيّرة، بعض تلك الأسئلة لم يتوقف عنده الباحثون مليّاً، وبعضها الآخر لم يطرح كإشكال ثقافي وعلمي بعد، ربما بسبب ضيق أفق الطرائق النمطية، التي عنيت بدراسة ظاهرة الاستشراق.
أهي محض مصادفة أن يكون الميل الألماني العام نحو الشرق مرتبطاً بثقافة الهند، بينما كان الميل الفرنسي مرتبطاً بالشرق الإسلامي، العربي؟ هل كان النزوع الفلسفي الألماني العقلاني سبباً في ذلك، بينما كان الإرتباط الأرضي الحسي سبباً في ميل الفرنسيين الى الشرق الإسلامي والمسيحي؟ ولكن، ألم تكن فرنسا جزءاً من جغرافيا العقلانية الغربية أيضاً، حالها كحال ألمانيا؟ هل كان للإصلاح الديني، كظاهرة ألمانية، والتمدد العسكري السياسي، كظاهرة فرنسية، أثر في ذلك؟ كم يشبه الميل الفرنسي ميل الإنكليز، على الرغم من اختلاف البيئتين فلسفياً: عقلانية الفرنسيين وتجريبية الإنكليز؟ لماذا ينزع الاستشراق أسلحته السياسية حينما يتجول في بقاع تقع خارج محميات الإسلام التاريخية؟
يسعى الشاعر والروائي والمفكر الفرد الى أهداف متنوعة ومتداخلة وهو ينظر الى ثقافات الشعوب الأخرى، يلعب فيها خياله الشخصي وطموحه الفردي، كمنتج ثقافي، الدور الأكبر. بيد أن سعي مؤسسة الحكم، التي تصنع الإرادات الجماعية يظل دائماً مغايراً. فمثل هذا السعي تم توظيفه في حقب عديدة لأغراض نفعية أبرز معالمها الاستيلاء والهيمنة على الآخر: الأضعف. لذلك كان لا بدّ لهذا الخطاب أن يتلوّن بأصباغ الميل الثقافي الأقوى ظاهريا، المسيّر لحركة المجتمع. نقول ظاهريا، لأنّ الميل الأقوى تاريخيا، هو الميل الى الحقيقة الإنسانية الخالصة، التي هي هدف الحياة الأسمى وهدف العقل النهائي، لكنه الهدف الأكثر خفاءً وبطئاً وعسراً. لهذا السبب نستطيع أن نفرّق بين لامارتين الشاعر ولامارتين السياسي، بين هند شوبنهاور وهند شليغل، بين شرق وشرق في نظرة شليغل اللغوية ذاتها. فكلمة ارتحال، أو بحث عن عالم آخر، أوسع جغرافياً من حدود الشرق كجغرافيا وشعوب، وأوسع عقلياً من حدود الإسلام والمسيحية، وأوسع سياسياً من حدود الظاهرة الاستعمارية في زيّها النمطي.

الحق في إعادة هيكلة البحث عن الآخر

هذه الصور المتنوعة تمنحنا الحق في إعادة هيكلة ظاهرة البحث عن الآخر، التي حصرها البعض في دائرة الاستشراق، وتعطينا فرصة أكبر لإعادة تركيبها بصورة جديدة، لكي نستطيع تتبع اتجاهات العوامل الثقافية وآفاق حركتها وأساليب ظهورها وأشكاله.
فالرحلة الى الشرق على طريقة كبلنغ، أي الى الهند أو شرق آسيا غير الإسلامي، هي امتداد ثقافي للتمدد الاستعماري المباشر، حالها كحال أيّ تمدد آخر نشأ في تلك المرحلة. بيد أنّ هذا التمدد يحمل شكلين أساسيين من التمييز ضد الآخر، المختلف. التمييز الأول عرقي، ويتمثل في تفوق الرجل الأبيض، والثاني سياسي ويتمثل في أحقية الرجل الأبيض في الهيمنة السياسية والعسكرية، وحتى الروحية. لكن هذا التمييز لا يكتسب طابع الصدام الديني. سبب ذلك يكمن في أن الفكر المسيحي الغربي ينظر الى الفكر الهندوسي والبوذي بحيادية مشوبة بنوع من الثقة بالنفس، وبشيء من الإطمئنان المفرغ من النزوع التنافسي. ربما تكون تلك الثقة الخادعة سبباً من أسباب اختراع نظرية العنصر "الهندو أوروبي"، التي هي شكل مصطنع من أشكال التمدد والإيهام العرقي، لا تحمل أسسا علمية مكينة ومقنعة، بقدر ما  تحمل في ثناياها من مبالغات التمدد الثقافي وأوهامه. لهذا السبب أيضا لم يدخل الدين كعنصر في الصراع السياسي والفكري في الرحلة الى الشرق في اتجاه الهند أو اليابان أو الصين. ولا غرابة أن يعتقد البعض بوجود نوع من الوحدة، ليس بين ما يعرف بالشعوب الأوروبية والهندوأوروبية فحسب، بل حتى بين الديانات: "وفي وسعنا القول إن هاتين الديانتين (المسيحية والبوذية) تقومان على مستوى أرفع من تلك الديانات المرتبطة بشدة بتأدية واجبات التضحية لهيئة سياسية خاصة، وهما تهدفان إلى خلق القيم للبشرية جمعاء"، وفي الجانب الآخر "اعتقد بعض العلماء البوذيين أن مفهوم الخلاص في المسيحية مستمَدٌّ فعلاً من مثال البودهيساتفا، وهو البوذا بالقوَّة الذي يؤجِّل خلاصه الفردي لمساعدة الآخرين". بهذه الطريقة يحاول البعض ربط الأديان والشعوب، على قاعدة نظرية قوامها التطابق الثقافي، كبديل من نزعة "المختلف" الثقافي (التبادل الثقافي بين الشرق والغرب، دايساكو أكيدا، معابر- 17 كانون الأول 2006).
هناك من الباحثين من يعود الى التاريخ القديم، متقصياً أثر الفلسفة الشرقية، في تكوين الوعي الثقافي الغربي، من خلال رحلة الاسكندر الى الشرق، وصلته بالحكمة المصرية والهندية والبابلية. المفارقة العقلية هنا تكمن في أنّ ما يُعرَف بالشرق القديم، العربي أو الفارسي، كان شرقاً سابقاً للاسلام، أي أنه كان مفرغاً من عنصر الصدام السياسي الراهن ومحمولاته التاريخية. لذلك فهو مصدر ممكن للتأثير، وموقع محتمل ومقبول نسبياً للتبادل الثقافي والعقلي، من وجهة نظر الآخر. في هذا السياق نرى أن رحلة الاسكندر، الحاكم الإله، تجسيد حسي وعملي لاتحاد الميلين الاستعماري والثقافي في رحلة البحث عن المنابع واكتشاف الآخر.
كان سعي الاسكندر الحسي الى تطعيم النسل الشرقي بجينات شمالية، اختبارات ثقافية للاستيلاء والاستحواذ التام، المادي والمعرفي، على الآخر: الاستيلاء على الجسد والروح معاً؛ وهي الرحلة ذاتها التي تكررت طوال التاريخ الاستعماري، وستظل تتكرر بأشكال وصيغ جديدة طالما بقي الإنسان يعيش في عالم خالٍ من العدالة الدولية المتكافئة بين بني البشر، يتم فيه تصنيف الناس أقوياء وضعفاء، متطورين وأقل تطورا. إنّ تحرير الإنسان، باعتباره كائناً عالمياً، يرتبط ارتباطاً مباشراً بعملية إلغاء مبدأ السادة والعبيد، الأقوى والأضعف، وإلغاء امتيازات ذوي الحصانات البشرية الاستثنائية، التي هي الأساس القانوني للعبوديات التاريخية كلها، منذ عصور الرقّ حتى يومنا هذا. فالاستثناء هو الأساس الأول لكل شرّ سياسي، بدءاً من ظهور فكرة الديكتاتور كحالة استثنائية في المجتمع الديموقراطي القديم حتى استثناءات عصر العولمة. لقد اختتم الاسكندر رحلته الاستثنائية الى الشرق بأن أعيد الى موطنه، ولكن محمولا على عربات جرّ الموتى، الخاصة بملوك في مرتبة الآلهة. فلم يتمكن الاسكندر من إعادة إنتاج الشرق غربيا، ولم يقبل أتباعه بأن يذوب هو نفسه في أرض الشرق. لذلك عاد جسد الاسكندر، ككل العناصر الدخيلة، مؤكدا أنه شخصياً وثقافته كانا العنصر الدخيل مادياً وحسياً على عالم مؤسس تأسيساً ثابتاً، لا يمكن الاستيلاء عليه بالقوة المحضة.
لقد ظهر تمجيد الحضارة الشرقية واضحا لدى ممثلي الرومنطيقية الألمانية فريدريك شليغل ونوفاليس. وقد أشار الأول في الفصول الختامية من كتابه "في اللغة وفلسفة الهند" (1808) الى "أن الآسيويين والأوروبيين عائلة واحدة وجسد لا يتجزأ". ودعا الى البحث في الشرق عن سمو النزوع الرومنطيقي.
أما شوبنهاور فقد وجّه أنظار الغربيين الى البوذية، ووجد في بعض تعاليمها "النيرفانا" شكلاً مجرّباً من أشكال الانتصار على عبثية الحياة ومطابقة مع مفهوم الإرادة، الذي أعلى من شأنه.
لم يمض وقت طويل على ذلك، حينما تعرف الغرب الى أقدم مفكري البشرية الشرقيين، الصيني يي كنغ، وكتابه "التغييرات" 3322 ق. م.
ولم تكن رحلة هيرمان هيسه الفنية الى الشرق سوى ارتحال في الطريق ذاتها، التي خطها الرومنطيقيون الألمان قبل قرنين.
لم تكن الثقافات اللاإسلامية وحدها مناطق الحياد الحضاري الظاهري، المفرغ من الصراع التنافسي المباشر، كانت الرحلة نحو البحار والجزر أيضا مشمولة الى حد كبير بصفة الحياد النسبي. فقد كانت أقل الرحلات الايديولوجية ايديولوجية، لأنّها كانت تجري في بقاع مفتوحة الحدود، غامضة المعالم، منزوعة السيادة في الغالب. ولأنها أيضا كانت تدور في الغالب في بقاع يجري البحث فيها عن حياة فطرية، سواء بشكل خيالي: دانيال ديفو، أو كضرب من المتعة والترحال الخالص: ستيفنسون، أو بشكل تطبيقي: رحلة شاتوبريان الى أميركا، أو بشكل رمزي: ميلفيل، سويفيت، وفولتير في "زاديك" خصوصاً، التي تناولت الشرق قبل ظهور الإسلام؛ ولم تتعدّ رحلات الأخير الواقعية حدود أوروبا، فقد أمضى ثلاث سنوات في انكلترا وبعضاً من الوقت في بروسيا، وظهر الصدام في نصه كلما اقترب من الشرق الإسلامي مكانياً أو زمانياً. في البحار البعيدة والجزر الخيالية والبراري البكر، كان الآخر أقل مرتبة أيضاً عرقياً، لكنه لم يكن موضع صدام ديني وعقلي بحكم "تخلفه" كبدائي ووثني، أو بحكم  مسيحيته، كمطابق، وليس كمختلف. هنا يظهر القراصنة، وصيّادو الحيتان والأسماك، والأقزام، والعمالقة، والبدائيون، والعواصف، باعتبارها قوى معادية للطبيعة البشرية والإنسان المتمدن وقوانين الأخلاق والحق المثالية. حتى جوزف كونراد، الذي وضع التمدد الاستعماري في موضعه الجغرافي والسياسي المحدد في "قلب الظلام"، فكّك من أسر الحدود في "نوسترومو"، باختراع الاسماء الجغرافية الوهمية، ليجعل من الجغرافيا السياسية قدراً شاملاً، بلا حدود، يتماهى مع الشر، على الرغم من تطابق الروايتين في فضح القسوة والشره والأنانية المفرطة.
إنّ الحديث عن ابتعاد النص أو اقترابه من المؤثّرات السياسية أمر شديد النسبية، وعرضة للتأويل الدائم. فكتّاب من أمثال جورج لويس ستيفنسون ودانيال ديفو وجوناثان سويفيت لم يكونوا بعيدين عن السياسة في حياتهم الخاصة والأدبية. فقد تعرّض سويفت (1667 - 1745) صاحب القصّة المعروفة "رحلات جلليفر"، الى النفي الى إيرلندا بسبب كتاباته الساخرة والناقدة للسياسة الإنكليزيّة تجاه الايرلنديين. حتى "رحلات جلليفر"، التي ذاع صيتها ككتاب ترفيهيّ للصبيان، كانت نظرة الى العادات والأخلاق وطرق التفكير وأشكال الحكم، قال عنها سويفت إن مغزاها "أقرب الى الاستفزاز منه الى الترفيه". ومن المرحج أن يكون العنصر المستَفَّز هنا هو النظام السياسي. ربّما لا نكون واهمين لو قلنا إنّ "مزرعة الحيوان" لأورويل نبعت من "رحلات جلليفر" أيضا. كانت مشاهد الثقافات الأخرى، سواء أجاءت في صورة أقزام أم عمالقة، في صورة واقع أم خيال، وسيلة للاحتيال على قوانين الواقع، وأدوات مموّهة لرسم صورة تقريبية للواقع المحلي من خلال الآخر، المغاير. ولم يكن دانيال ديفو بعيداً عن السياسة أيضا، فقد انشغل زمنا بالكتابة الدعائية لصالح حزبَي الويغ والتوريّ المتنافسين، ولم تكن فكرته عن الجزيرة المعزولة وعلاقة كروسو بـ"فرايدي" البدائي سوى صورة مصغّرة للتمدّد الاستعماري. فروبنسون كروزوي ظلّ يواصل ممارسة مهمة المعلّم المتحضر في مواجهة الإنسان البدائي. وكان انشغال ستيفنسون بشؤون المستعمرة البريطانية ساموا معروفاً. حتى روايته النفسية الاخلاقية "الدكتور جيكل والسيد هايد" فُسّرت على أنها نقد سياسي مبطّن وتعريض بالازدواج الأخلاقي للحقبة الفيكتورية. 
لذلك أضحت الرحلة الى الشرق الإسلامي، منطقة الصدام الشامل، التي جمعت أشكال التمييز كلها. فالخلاف السياسي والعرقي يُعضّد هنا بعنصر مواجهة الآخر المختلف دينيا: الإسلام والمسيحية الشرقية على حد سواء؛ الإسلام كمنافس، والمسيحية الشرقية الأصل كنسخة "مزوّرة"! هذا الاختلاف الديني ليس صراعا بين شرائع سموية، أي ليس صراعا لاهوتيا صرفا، بل هو صراع على الأدوار السياسية التاريخية. فرحلة الفرنسي أو الإنكليزي الى الهند لا تشبه رحلته الى القدس أو الجزائر. ففي الطريق الى القدس يوجد الى جانب نزعة السيطرة السياسة الاستعمارية والتفوق العرقي، تاريخ سياسي اسمه الدولة العربية الإسلامية، والأندلس، والامبراطورية العثمانية والمسيحية الأولى والكنيسة الشرقية.
لقد توجه الاستشراق، منذ أقدم ممارسيه القس وليم بدول (1561-1632)، نحو الجذور التاريخية للتبادل الثقافي، ولم يعن كثيرا بالحاضر. فقد تركت هذه المهمة للأدب والرحالة والمكتشفين والسياسيين والجواسيس. لكن الاستشراق المتأخر بدأ يمزج، خطوة خطوة، بين القديم والمعاصر، وهذا ما نجده لدى أحد أبرز المستشرقين الإنكليز هاملتون جيب (1895)، الذي كان له تأثير على أفكار أبرز مجدّدي الثقافة العربية. كانت دراسات جيب المتأخرة انعطافة استشراقية استثنائية تاريخية، فقد أفاد من معارفه التاريخية حينما شرع في كتابة صورة المجتمع الإسلامي الراهن ومتابعة رسمها. وكان لهذه الانعطافة أثر سياسي مباشر على القوى الصاعدة آنذاك سياسيا، ممثلة في الولايات المتحدة، التي لا تملك خبرات عميقة عن المجتمع الإسلامي، جعلتها تتنبه الى أهمية هذا التحول الاستشراقي. وكلما مال الاستشراق نحو الحاضر تعمقت صلته بالسياسة وبمشاريع الهيمنة العسكرية. وربما يكون المستشرق الإنكليزي الأصل برنارد لويس هو الحلقة المتقدمة في خطوة الإفادة من المعارف الاستشراقية لخدمة السياسات الدولية المباشرة. فبعد بحوثه عن الحشّاشين والاسماعيلية، جذب لويس انتباه مراكز البحث الأميركية، وأضحى، بقصد أو بغير قصد، معبّراً عن اتجاه ايديولوجي سلطوي، يتبناه ممثلو القوة الأعظم في تاريخنا المعاصر. وقد اكتسبت صلته البحثية التاريخية بموضوعات تتعلق بالجوانب السريّة من عمل الجماعات الاسلامية، خاصية مميزة في وقتنا الراهن، طبعت لغة الخطاب الايديولوجي الأميركي، ولوّنته بعناصر قائمة على الشك والريبة، والتعامل العدواني عند النظر الى الآخر، الإسلامي. لقد وجد الخطاب السياسي الاستعماري المفضوح والدعائي، قوة تعبوية تضليلية في تلك الأفكار الفلسفية والمعارف التاريخية، جعلته يمضي في مشروع العداء ضد الآخر المختلف بثقة مطلقة، مدعوما لا بالقوة المجردة وحدها، وإنما بالتبريرات النظرية المستقاة من تراث المستشرقين الجدد أيضا. هنا لا يوجد تبادل للمنافع بين المنتج الثقافي والمشتري والمستهلك فحسب، هنا يوجد تبادل للتأثير أيضا، وتبادل لتعديل مجرى الأفكار والنظريات بما يلائم حالة السوق الثقافية ومبادئ العرض والطلب. وهنا، في هذه النقطة يبرز عنصر التأثير لما يسمّى اللحظة التاريخية، التي تصوغ الأفكار الفردية وتطبعها بميسمها العام، بصرف النظر عن إرادة حامليها ونياتهم وأهوائهم الشخصية.

الصورة الملتبسة

إن الصورة التي نرسمها لأنفسنا ربما لا توجد بالهيئة ذاتها في مخيلة الآخر. والصورة التي يرسمها الآخر لنا ربما لا تطابق أيضا ترجمتنا الذاتية لهذه الصورة. فلم تزل الثقافة الغربية، حتى اليوم، تعيد تكرار الصورة الدينية للصراع التاريخي، أي تعيد استدعاء لحظة تاريخية سابقة، كمرجعية تاريخية عاطفية لتحفيز اللاشعور الجمعي الحاضر وتعبئته وتنظيمه. هذه الصورة لم تزل قائمة حتى في أكثر مناهج التربية والثقافة العالمية انفتاحاً وتقبلاً للآخر، وأعني بها مناهج التعليم الأسوجية. هنا لا نتحدث عن كتاب الدين، وإنما نتحدث عن مادة أكثر حيادية، مثل كتاب التاريخ للصفّين الثامن والتاسع، الذي  يربط رحلة كولومبوس عام 1492 ربطاً علمياً صائباً بإنهاء الوجود الأجنبي في اسبانيا، ويربطها شخصياً بفرناندس وايزابييلا، كتصعيد إضافي لعملية اقتطاف لثمار النصر التاريخي. مثل هذا النص نجده حتى في الكتاب التبسيطي، الخاص بالطلبة الأقل مقدرة عقليا من تلاميذ الصفوف العليا من المرحلة الإلزامية، حيث يقول كتاب التاريخ المبسط للصفوف الخاصة من المرحلة الالزامية (الثامن)، كمقدمة لشرح رحلة كولومبوس: "عام 1492 خسر المسلمون آخر حصونهم (غرناطة)، وتمكن المسيحيون من استعادة اسبانيا كلها" (ليفانده هستوريا، العلوم الاجتماعية 2001 ص 20، طبعة أورَبرو 2000). وربما تكون شركة الطيران الأسوجية "ساس"، التي لا صلة مباشرة تربطها بالسياسة أو الثقافة، أكثر المواقع عصرية وبعداً عن التمييز والتطرف الديني لأسباب تجارية خالصة، لكنها على الرغم من هذا، وعلى الرغم من أهمية الدعاية في نشاطها التجاري، لم تزل تُحمّل دعايتها السياحية عن الاندلس بعض رائحة الصراع الديني. ففي موقعها الالكتروني تصف تاريخ مدينة ملقة قائلة: "بدءا من عام 711 بدأ الاحتلال الاسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية" و"تمكنت الجيوش المسيحية من هزيمة المورسكيين، وفي عام 1502 وضعت نهاية للوجود المورسكي من طريق اقناع آخر بقايا المورسكيين باعتناق المسيحية". في هذه النصوص لا توجد الصورة التي نعتقدها نحن عن أنفسنا. فالقوة الجديدة المنتصرة (الجيوش المسيحية) دحرت الوجود الإسلامي، وليس الوجود العربي أو الشمال أفريقي أو الدويلات العربية الإسلامية، كما يحسب حسنو النيات. إن الذاكرة التاريخية هنا محددة تحديدا تاما ودقيقاً بشكل صارم: الوجود الإسلامي في مقابل الوجود المسيحي. وهي الصرخة ذاتها التي أطلقها البابا اوربان الثاني عام 1095 مفتتحاً بها تاريخ الحروب الصليبية.
أي أننا في مواجهة تاريخ متصل، متفرق جغرافياً وزمانياً، متنوع عرقياً، متعدد سياسياً ومذهبياً، لكنه يجتمع تحت سقف تاريخي واحد اسمه المواجهة مع الإسلام. من هنا كانت الرحلة الى الشرق، سواء أكان اسمها الاستشراق أم البحث عن المغاير والمختلف، أم صدام الحضارات، رحلة محمّلة  تاريخاً طويلاً من الصدام السياسي، جرى أغلبه تحت رداء الدين. ولا غرابة أن نجد فريدريك شليغل الذي مجّد العقل الهندي، يضع السامية، كلغة، في مرتبة عقلية أقل، واجدا فيها قصورا لا يجعلها تملك مقومات إنتاج أدب يضاهي ما عند الهنود والأوروبين (إدوارد سعيد، مجلة الطليعة الأربعاء 6 كانون الأول  2006  العدد 1753).
إنّ الصدام مع الإسلام هو صدام مع الشرق ككيان سياسي وليس كدين، وهو صدام بين تاريخين. وهذا ما يميز الرحلة الى الشرق الإسلامي عن غيرها، وهذا ما يجري توظيفه سياسيا من القوى المهيمنة على مصائر البشرية، في الحقب كافة.
من المرجح أن إعادة هيكلة الاستشراق ستساهم في ايجاد مناخ عقلي أفضل لتفهم عناصر التجديد في لوحة الاستشراق أو البحث عن الآخر في عالم اليوم، سواء أكانت هذه العناصر ايجابية لغرض التبادل الثقافي الحقيقي وتبادل المعارف، أم كانت ذات أغراض سياسية استعبادية تاريخية كفكرة صدام الحضارات، أم سياسية مباشرة ومحضة كالحرب على الارهاب، أم كانت رحلة أدبية مطعّمة بنكهة دينية أم عرقية أم تجارية .